ريثيون تكنولوجيز RTX: من شركة راديو صغيرة إلى إمبراطورية دفاعية عالمية – النشأة والتطور والدور الاستراتيجي في 2026
النشأة والتطور: من راديو إلى إمبراطورية دفاعية
تأسست شركة ريثيون عام 1922 في مدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس الأمريكية تحت اسم American Appliance Company على يد مجموعة من المهندسين الشباب، من بينهم لورانس مارشال وفانيفار بوش. في بداياتها، كانت الشركة صغيرة تعمل في مجال أجهزة الراديو المنزلية والتجارية، وكانت تبيع أجهزة استقبال راديو بسيطة للمستهلكين الأمريكيين في عصر الراديو الذهبي. غير أن مسيرتها أخذت منعطفًا حاسمًا خلال الحرب العالمية الثانية، حين أسهمت في تطوير أنبوب المغنترون (Magnetron) الذي حوّل الرادار من أداة بدائية إلى سلاح تكنولوجي فعّال غيّر موازين المعركة الجوية.
في عام 1940، حصلت الشركة على عقد سري مع الحكومة الأمريكية لتطوير تقنيات الرادار، وساهمت في إنتاج آلاف الرادارات التي استخدمتها قوات الحلفاء في معارك مثل معركة بريطانيا وغزو نورماندي. هذا التحول الجذري في توجهات الشركة نحو التقنيات الدفاعية رسم مسارها لعقود متتالية. بعد الحرب، غيرت الشركة اسمها رسميًا إلى Raytheon (من "ray" بمعنى شعاع و"theon" بمعنى إله، إشارة إلى تقنيات الشعاع الكهربائي).
شهدت الشركة نموًا هائلاً خلال الحرب الباردة، حيث طورت أنظمة صاروخية متقدمة مثل صواريخ Sparrow وSidewinder، وساهمت في برامج الفضاء الأمريكية مثل مشروع أبولو. في التسعينيات والألفية الجديدة، ركزت على الاندماجات الاستراتيجية. كان الاندماج الأبرز عام 2020 مع يونايتد تكنولوجيز (United Technologies)، الذي أنتج مجموعة RTX Corporation العملاقة.
اليوم، تتكون RTX من أربعة أقسام رئيسية:
- ريثيون للذكاء والفضاء (Raytheon Intelligence & Space): متخصصة في الاستخبارات والرادارات.
- ريثيون للصواريخ والدفاع (Raytheon Missiles & Defense): قلب الشركة الصاروخي.
- كولينز إيروسبيس (Collins Aerospace): أنظمة الطيران والإلكترونيات.
- برات آند ويتني (Pratt & Whitney): محركات الطائرات.
في 2026، بلغت إيرادات RTX أكثر من 80 مليار دولار سنويًا، مع أكثر من 185 ألف موظف حول العالم. هذا الاندماج جعلها واحدة من أكبر خمس شركات دفاعية في العالم، وأعطاها تنوعًا يجمع بين الدفاع والطيران المدني.
نظام باتريوت: درع الأجواء الأشهر في العالم
عند ذكر اسم ريثيون في الأوساط العسكرية، يتبادر إلى الأذهان فورًا منظومة باتريوت (Patriot)، واحدة من أشهر منظومات الدفاع الجوي في التاريخ الحديث. طُوّرت في السبعينيات والثمانينيات لتحل محل منظومة هوك، ودخلت الخدمة الفعلية في الجيش الأمريكي عام 1984. اكتسبت شهرتها العالمية خلال حرب الخليج 1991، حين اعترضت صواريخ سكاد العراقية فوق السعودية وإسرائيل، رغم بعض الجدل حول فعاليتها في ذلك الوقت.
منذ ذلك الحين، تطورت المنظومة بشكل مستمر. النسخة الأحدث PAC-3 MSE (Patriot Advanced Capability-3 Missile Segment Enhancement) قادرة على اعتراض صواريخ باليستية، صواريخ كروز، طائرات مسيرة، وطائرات حربية على مدى يصل إلى 160 كم وارتفاع 30 كم. تستخدم رادار AN/MPQ-65A الذي يعمل بتقنية AESA (Active Electronically Scanned Array) لتتبع مئات الأهداف simultaneously.
في 2026، شهدت باتريوت طلبًا قياسيًا. في فبراير 2026، وقعت ريثيون اتفاقيات إطارية مع وزارة الدفاع الأمريكية لزيادة الإنتاج. كما حصلت على عقود كبيرة: 627 مليون دولار مع هولندا لتجهيزات جديدة، و3.7 مليار دولار لتوريد صواريخ GEM-T إلى أوكرانيا، و183.7 مليون دولار لدعم أنظمة الإمارات. السعودية حصلت على موافقة بقيمة 9 مليار دولار لـ730 صاروخ PAC-3 MSE. المنظومة منتشرة في أكثر من 19 دولة، بما في ذلك دول الخليج، كوريا الجنوبية، واليابان.
صواريخ AIM-120 AMRAAM: ملك الجو الأمريكي
في عالم الحرب الجوية، يُعد AIM-120 AMRAAM (Advanced Medium-Range Air-to-Air Missile) أحد أبرز إنجازات ريثيون. دخل الخدمة أوائل التسعينيات، وهو صاروخ جو-جو متوسط المدى يعمل بتوجيه رادار نشط (fire-and-forget). يصل مداه إلى 180 كم في النسخ الحديثة، ويُستخدم على مقاتلات F-15، F-16، F-22، F-35، ويوروفايتر تايفون.
أثبت فعاليته في معارك حقيقية منذ حرب الخليج وحتى العمليات في أوكرانيا. في 2026، أعلنت ريثيون زيادة الإنتاج السنوي إلى 1900 صاروخ على الأقل، ضمن اتفاقيات الإنتاج الخمسة مع البنتاغون (فبراير 2026). النسخة الجديدة AMRAAM-ER توفر مدى أطول وقدرة أفضل ضد التهديدات المتطورة. يُصدّر إلى أكثر من 40 دولة حليفة.
قطاع الاستخبارات والرادارات والحرب الإلكترونية
يُعد قطاع الذكاء والرادارات أحد أقوى نقاط قوة RTX. تنتج الشركة رادارات AN/SPY-6 للسفن الحربية، وLTAMDS (Lower Tier Air and Missile Defense Sensor) الذي يحل محل رادار باتريوت القديم. كما تطوّر أنظمة الحرب الإلكترونية مثل Next Generation Jammer لتشويش الرادارات المعادية.
في مجال الاستخبارات الإشارية (SIGINT) والتشفير، تمتلك RTX قدرات استثنائية تدعم الجيش الأمريكي في عمليات الاستطلاع والحماية الإلكترونية.
محركات الطيران: برات آند ويتني في خدمة السماء
بعد الاندماج، أصبحت برات آند ويتني جزءًا أساسيًا من RTX. تنتج محرك F135 الذي يشغّل F-35 (أكثر من مليون ساعة طيران بحلول 2026). في مارس 2026، حصلت على عقد بقيمة 6.6 مليار دولار لإنتاج محركات Lots 18-19. كما تصنع محركات GTF للطائرات المدنية مثل إيرباص A320 وA220.
الموقع الجيوسياسي وصفقات التسليح العالمية
RTX هي أحد أكبر مصدري الأسلحة عالميًا. بعد الأزمة الأوكرانية، زاد الطلب على صواريخها. في الشرق الأوسط، لديها عقود ضخمة مع السعودية والإمارات. الشركة تدعم أيضًا الناتو بأنظمة متكاملة.
الاستثمار في تقنيات المستقبل
تستثمر RTX مليارات في الأسلحة الموجهة بالطاقة (ليزر عالي الطاقة لاعتراض الطائرات المسيرة)، الصواريخ الفرط صوتية (HACM)، والذكاء الاصطناعي في القيادة والسيطرة. في 2026، أعلنت شراكات مع وزارة الدفاع لتطوير هذه التقنيات.
خاتمة: ريثيون وصناعة الأمن العالمي
تقف RTX في قلب المنظومة الدفاعية الغربية. أداؤها المالي القوي وعقودها الضخمة (مثل زيادة إنتاج الصواريخ في 2026) يضمنان نموًا مستمرًا. في عالم يشهد تصاعد التهديدات، تبقى ريثيون شريكًا استراتيجيًا لا غنى عنه.