الصناعات الدفاعية العربية: قراءة في التحولات الاستراتيجية وأبرز الدول الرائدة
الدفاع العربي
الدفاع العربي

الصناعات الدفاعية العربية: قراءة في التحولات الاستراتيجية وأبرز الدول الرائدة

📅 ✍️ الدفاع بالعربي ⏱ جارٍ الحساب...

 


مقدمة: من الاستيراد إلى الإنتاج المحلي

شهد العالم العربي خلال العقود الأخيرة تحولاً جوهرياً في رؤيته تجاه منظومة الصناعات الدفاعية، إذ انتقلت كثيرٌ من دوله من حالة الاعتماد الكامل على استيراد المعدات العسكرية من الخارج، إلى توجّه استراتيجي طموح نحو بناء قدرات صناعية دفاعية وطنية متكاملة. وقد أسهمت في هذا التحول جملةٌ من العوامل، في مقدّمتها الاعتبارات الأمنية المتعلقة بضمان استمرارية إمدادات التسليح في أوقات الأزمات، فضلاً عن الرغبة في تحقيق استقلالية القرار الاستراتيجي وتنويع مصادر الدخل الوطني بعيداً عن ريعية النفط.

ويُعدّ هذا الملف اليوم من أكثر الملفات حيوية في خارطة السياسات الاقتصادية والأمنية لعدد من الدول العربية، لا سيما في ضوء المستهدفات الطموحة التي ترسمها رؤى التنويع الاقتصادي كرؤية 2030 السعودية، والاستراتيجية الصناعية الإماراتية، والمخططات التنموية المصرية. وفيما يلي استعراضٌ تحليلي وموضوعي لأبرز الدول العربية التي أحرزت تقدماً ملموساً في مجال الصناعات الدفاعية، مع تسليط الضوء على طبيعة هذه الصناعات وأهدافها الاقتصادية والاستراتيجية. 

أولاً: المملكة العربية السعودية — التحول من أكبر مستورد إلى رائد في التصنيع المحلي

تحتل المملكة العربية السعودية مكانةً متميزة في هذا السياق، إذ تُصنَّف تاريخياً ضمن أكبر مستوردي الأسلحة في العالم. غير أن رؤية 2030 التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان عام 2016 حملت معها هدفاً استراتيجياً جوهرياً، هو رفع نسبة توطين الإنفاق العسكري من نحو 2% إلى 50% بحلول عام 2030.

الشركة السعودية للصناعات العسكرية (SAMI)

تأسست الشركة السعودية للصناعات العسكرية عام 2017 لتكون المظلة الجامعة لمسيرة التصنيع الدفاعي في المملكة. وسرعان ما أثبتت الشركة جدارتها، إذ دخلت في شراكات استراتيجية مع كبريات الشركات الدفاعية العالمية كلوكهيد مارتن الأمريكية، وبي إيه إي سيستمز البريطانية، وإيرباص الأوروبية. ومن أبرز إنجازاتها إطلاق برنامج لتصنيع مروحيات الأباتشي محلياً، وبرامج للصيانة وتجميع أنظمة أسلحة متعددة على أراضي المملكة.

المدن الصناعية العسكرية

أنشأت المملكة منطقة صناعية متكاملة مخصصة للصناعات الدفاعية في الدرعية، وتضم مجمعات صناعية متخصصة تسعى إلى استقطاب الاستثمارات الأجنبية وتوطين التقنيات المتقدمة. كما تُولي المملكة اهتماماً متزايداً بصناعة الطائرات المسيّرة والأنظمة الإلكترونية، وهو قطاع يُتوقع أن يشهد نمواً متسارعاً في المرحلة المقبلة.

الأثر الاقتصادي والتوظيفي

لا يقتصر الهدف من توطين الصناعات الدفاعية السعودية على الجانب الأمني، بل يمتد ليشمل توليد فرص العمل للشباب السعودي وتطوير الكفاءات الوطنية في المجالات التقنية والهندسية، إذ تتوافق هذه الصناعة مع استراتيجية السعودة الشاملة التي تنتهجها المملكة.

ثانياً: الإمارات العربية المتحدة — النموذج الأكثر نضجاً في المنطقة

تُمثّل الإمارات العربية المتحدة اليوم النموذج الأكثر تطوراً ونضجاً في منظومة الصناعات الدفاعية العربية، وذلك بفضل استراتيجية ممنهجة انتهجتها الدولة منذ عقود، ارتكزت على الشراكات الدولية وبناء الكوادر الوطنية المتخصصة.

مجموعة EDGE — عملاق الدفاع الإماراتي

في عام 2019، أعلنت الإمارات عن تأسيس مجموعة EDGE الدفاعية بدمج أكثر من 25 كياناً دفاعياً في مظلة واحدة، لتتحول المجموعة إلى واحدة من أكبر 25 شركة دفاعية في العالم وفق تصنيفات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS). وتعمل المجموعة في خمسة قطاعات رئيسية تشمل: الأسلحة الذكية والأسلحة الموجّهة، والمركبات المستقلة والطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، وأنظمة الفضاء والاتصالات، والخدمات اللوجستية.

الطائرات المسيّرة: الرهان الاستراتيجي الإماراتي

تُولي الإمارات اهتماماً استثنائياً بصناعة الطائرات المسيّرة، وقد استطاعت تطوير وتصنيع عدد من المنظومات في هذا المجال، من بينها الطائرة المسيّرة "يبال-40" التي طوّرتها شركة كرايتوس الإماراتية بالتعاون مع الجانب الأمريكي. وتسعى الإمارات إلى تصدير هذه الطائرات إلى دول أفريقية وآسيوية عديدة، مما يجعلها لاعباً فاعلاً في سوق الطائرات المسيّرة العالمي.

معرض آيدكس IDEX: واجهة الدفاع الإماراتية للعالم

يُعقد في أبوظبي كل عامين معرض آيدكس للدفاع والأمن، الذي بات واحداً من أكبر معارض التسليح في العالم، واستقطب أكثر من 1300 شركة من 65 دولة في نسخته الأخيرة. ويُعدّ هذا المعرض نافذةً استراتيجية تُعرض فيها المنتجات الدفاعية الإماراتية على المستوى الدولي، ويُسهم بشكل مباشر في تعزيز صادرات الدفاع الوطنية. 

ثالثاً: جمهورية مصر العربية — ثقل استراتيجي وتاريخ صناعي عريق

تمتلك مصر إرثاً صناعياً دفاعياً يمتد لعقود طويلة، مما يمنحها مكانة خاصة في هذا الملف مقارنةً بغيرها من الدول العربية. فقد أسهمت مصر في تصنيع الأسلحة الخفيفة والذخائر والمركبات العسكرية منذ خمسينيات القرن الماضي، واليوم تسعى إلى الارتقاء بمستوى هذه الصناعة لتواكب التطورات التكنولوجية المتسارعة.

الهيئة العربية للتصنيع: منذ عام 1975

تأسست الهيئة العربية للتصنيع عام 1975 بتمويل عربي مشترك، وباتت اليوم مؤسسةً صناعية ضخمة تضم أكثر من عشرين شركة متخصصة. وتتوزع إنتاجاتها بين الطائرات والمروحيات (بالتعاون مع شركات أوروبية)، والمركبات المدرعة، والإلكترونيات العسكرية، والذخائر والمتفجرات. كما تُصنّع الهيئة بموجب تراخيص دولية أنواعاً من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة.

الشراكات الاستراتيجية الدولية

تتميز مصر بشبكة واسعة من الشراكات الدفاعية، فهي تحظى بوضع حليف رئيسي من خارج حلف الناتو مع الولايات المتحدة، وتتلقى مساعدات عسكرية سنوية تُمكّنها من الحصول على تكنولوجيا دفاعية متقدمة. كما تربطها اتفاقيات إنتاج مشترك مع روسيا وفرنسا وألمانيا وعدد من الدول الأوروبية.

التحديات والطموحات

يظل التحدي الأكبر أمام الصناعة الدفاعية المصرية هو الارتقاء من مستوى التجميع والتصنيع بالترخيص إلى مستوى البحث والتطوير المحلي المستقل. وقد خصصت مصر موارد لدعم مراكز البحث العسكري التقني، غير أن الفجوة التكنولوجية لا تزال قائمة مقارنةً بالقوى الدفاعية الكبرى. 

رابعاً: المملكة الأردنية الهاشمية — الكفاءة في حدود الإمكانات

رغم محدودية الموارد الاقتصادية، استطاع الأردن أن يُقيم صناعة دفاعية محلية متخصصة وفاعلة، تقوم على مبدأ الاستفادة القصوى من الإمكانات المتاحة والتركيز على المنتجات ذات الميزة التنافسية.

الشركة الأردنية للأجهزة الكهربائية والإلكترونية الدفاعية (KADDB)

تُعدّ هذه الشركة الذراع الصناعي الرئيسي للجيش الأردني، وتتخصص في تطوير مركبات مدرعة خفيفة من بينها المركبة المدرعة "تيتان" التي لاقت اهتماماً دولياً ملحوظاً، فضلاً عن أنظمة التحكم والاتصالات العسكرية، وتقنيات الحرب الإلكترونية.

معرض مختبر الدفاع SOFEX

يستضيف الأردن معرض SOFEX المتخصص في معدات القوات الخاصة، الذي يستقطب مشاركين من دول عديدة ويُعدّ منصةً لتسويق المنتجات الدفاعية الأردنية. وقد نجح الأردن في تصدير عدد من منتجاته الدفاعية إلى دول أفريقية وآسيوية وعربية. 

خامساً: المغرب — الاستثمار في الأمن الإقليمي

يسعى المغرب في السنوات الأخيرة إلى بناء صناعة دفاعية وطنية ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تعزيز الاستقلالية الأمنية وتنويع الاقتصاد الوطني.

التحولات في المنظومة الدفاعية المغربية

أعلن المغرب عن خطط طموحة لتوطين الصناعات الدفاعية ضمن إطار برنامج يُسمى "المغرب 2030 للصناعة الدفاعية"، يرتكز على استقطاب الشركات الأجنبية للإنتاج المشترك على الأراضي المغربية، مع الاستفادة من اتفاقيات الشراكة مع فرنسا والولايات المتحدة وإسرائيل. وقد أُعلن مؤخراً عن إنشاء مناطق صناعية دفاعية متخصصة في طنجة والدار البيضاء.

العلاقة بالأمن الإقليمي

يُولي المغرب أهمية خاصة لبناء قدرات دفاعية متوازنة في ظل التحديات الأمنية في منطقة الساحل والصحراء، وما تشهده المنطقة من تصاعد في التهديدات الإرهابية وتنافسات جيوسياسية متعددة. 

سادساً: الكويت والبحرين وقطر — نماذج التحديث الخليجي

قطر: الشراكات الاستراتيجية كرافعة للتوطين

تعتمد قطر استراتيجية توطين دفاعية تقوم على إلزام الموردين الأجانب بنقل التكنولوجيا وإنشاء شركات مشتركة على الأراضي القطرية. وقد أُنشئت شركة "بارزان" (BARZAN) لتكون الذراع الصناعي الدفاعي القطري، وتسعى إلى توطين 30% من الإنفاق الدفاعي القطري بحلول عام 2030.

الكويت: التوجه الحديث نحو الصناعة الدفاعية

تبدأ الكويت خطواتها الأولى في مجال توطين الصناعات الدفاعية، وقد أُعلن عن تأسيس شركة كويتية متخصصة في هذا القطاع، تسعى إلى الدخول في شراكات مع شركات دفاعية أوروبية وأمريكية. 

المحركات المشتركة لنهضة الصناعات الدفاعية العربية

بتأمل المشهد الإجمالي لهذه التجارب، تبرز جملةٌ من المحركات المشتركة التي تدفع الدول العربية نحو توطين صناعاتها الدفاعية:

أولاً: الاعتبارات الاقتصادية تُنفق الدول العربية مجتمعةً عشرات المليارات من الدولارات سنوياً على استيراد الأسلحة والمعدات الدفاعية. ويُمثّل توطين جزء من هذا الإنفاق فرصةً اقتصادية هائلة لتوليد فرص العمل وتطوير الكفاءات الوطنية وتقليص فاتورة الاستيراد.

ثانياً: البُعد الاستراتيجي للاستقلالية تعلّمت الدول العربية من تجارب تاريخية مريرة أن الاعتماد الكامل على موردي الأسلحة الخارجيين قد يتحول إلى ورقة ضغط سياسية في الأزمات، مما يجعل التصنيع المحلي ضرورة استراتيجية لا رفاهية.

ثالثاً: التحولات في البيئة التكنولوجية أسهم انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي والطباعة ثلاثية الأبعاد والطائرات المسيّرة في خفض الحواجز التقنية أمام الدول الراغبة في دخول مجال الصناعة الدفاعية، مما فتح آفاقاً جديدة أمام دول لم تكن قادرة في السابق على التنافس في هذا القطاع.

رابعاً: ربط الصناعة الدفاعية بمسيرة التنويع الاقتصادي تُدرج معظم الدول العربية النفطية الصناعةَ الدفاعية ضمن استراتيجياتها الأشمل للتنويع الاقتصادي، إذ تحمل هذه الصناعة في طياتها قيمةً مضافة عالية وتقنيات قابلة للتحويل إلى تطبيقات مدنية. 

تحديات التوطين الدفاعي في العالم العربي

لا تخلو هذه المسيرة الطموحة من تحديات حقيقية تستوجب الإشارة إليها بموضوعية:

الفجوة التكنولوجية لا تزال الدول العربية تعاني من فجوة تكنولوجية واسعة في مجال أشباه الموصلات والأنظمة الإلكترونية المتقدمة وتقنيات البروبلشن، وهي مكوّنات أساسية لكثير من المنظومات الدفاعية الحديثة.

الاعتماد على الكفاءات الأجنبية تعتمد معظم مشاريع التصنيع الدفاعي العربية اعتماداً كبيراً على الخبرات الأجنبية في المراحل الحرجة، في حين لا يزال إعداد الكوادر الوطنية المتخصصة يحتاج إلى وقت وجهد كبيرين.

تحديات الملكية الفكرية كثيراً ما ترفض الشركات الأجنبية نقل التكنولوجيا الحساسة أو الأنظمة الأساسية، مما يُبقي الدول العربية في كثير من الأحيان في دور المُجمِّع لا المُطوِّر الفعلي.

ضعف التكامل البيني العربي يُلاحَظ غيابٌ شبه تام للتنسيق والتكامل بين الدول العربية في مجال الصناعات الدفاعية، رغم أن التعاون المشترك يمكن أن يُوفّر وفورات حجم هائلة ويُعظّم الكفاءة الإجمالية للصناعة الدفاعية العربية. 

أفق المستقبل: ما الذي يمكن توقعه؟

تُشير المعطيات الراهنة إلى أن الصناعة الدفاعية العربية ستشهد في العقد القادم طفرةً نوعية، تقودها أساساً المملكة العربية السعودية والإمارات ومصر. ومن المتوقع أن تتمحور هذه الطفرة حول المحاور الآتية:

الذكاء الاصطناعي والأنظمة المستقلة: ستُسرّع الدول العربية استثماراتها في الطائرات المسيّرة ذاتية التشغيل والأنظمة البرية المستقلة، وهي مجالات تُتيح فيها التكنولوجيا المدنية الانتقال السريع إلى التطبيقات العسكرية.

الصناعة الفضائية والأقمار الصناعية: تستثمر الإمارات والسعودية ومصر بصورة متصاعدة في قطاع الفضاء الذي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالمنظومة الدفاعية الحديثة، ولا سيما في مجال الاستطلاع والاتصالات الدفاعية.

الأمن السيبراني: بات الفضاء الإلكتروني ساحةً دفاعية من الدرجة الأولى، وتسعى الدول العربية الكبرى إلى بناء قدرات وطنية في مجال الدفاع السيبراني وحماية البنى التحتية الحيوية.

صناعة السفن الحربية: تعتزم المملكة العربية السعودية والإمارات توسيع الإنتاج المحلي في مجال الوحدات البحرية الصغيرة والمتوسطة، الأمر الذي يتسق مع التوجهات نحو تطوير القدرات البحرية الإقليمية. 

خاتمة: الصناعات الدفاعية — رهان على المستقبل

يكشف هذا الاستعراض أن مسيرة الصناعة الدفاعية العربية تسير وفق منطق مزدوج: فهي من جهة ضرورة استراتيجية تفرضها متطلبات الأمن القومي وصروف الجغرافيا السياسية، ومن جهة أخرى فرصة اقتصادية واعدة في عالم تتداخل فيه التكنولوجيا المدنية والعسكرية بصورة متزايدة.

والملاحظ أن الدول الأكثر نجاحاً في هذا المسار هي تلك التي اعتمدت رؤية واضحة وبعيدة المدى، وربطت قطاعها الدفاعي بمنظومة التعليم والبحث والابتكار، وسعت إلى بناء شراكات دولية حقيقية تقوم على نقل المعرفة لا مجرد إتمام صفقات التسليح. وفي نهاية المطاف، لن يُقاس نجاح هذه التجارب بحجم الصواريخ المُصنَّعة أو الدبابات المُجمَّعة، بل بمقدار ما تُسهم به من تطوير للكفاءة الإنسانية وتحقيق للأمن الشامل بمفهومه الإنساني الأوسع، الذي يشمل الأمن الغذائي والتقني والاقتصادي إلى جانب البُعد العسكري التقليدي.

ومع تسارع وتيرة التحولات التكنولوجية على المستوى العالمي، يغدو السؤال الحقيقي: هل تستطيع الدول العربية الانتقال من مرحلة التجميع والتصنيع بالترخيص إلى مرحلة الابتكار والبحث والتطوير الذاتي؟ الإجابة عن هذا السؤال ستُحدد في نهاية المطاف موقع العالم العربي على خريطة الصناعة الدفاعية العالمية في العقود القادمة.


✍️
كاتب المقال
الدفاع بالعربي
محلل متخصص في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية على المستوى العربي والدولي.