كيف بدأ البرنامج الصاروخي الإيراني: من الضرورة الحربية إلى الردع الاستراتيجي
الصورايخ
الصورايخ

كيف بدأ البرنامج الصاروخي الإيراني: من الضرورة الحربية إلى الردع الاستراتيجي

📅 ✍️ Arabs Learn ⏱ جارٍ الحساب...

 

يُعد البرنامج الصاروخي الإيراني أحد أبرز العناصر في استراتيجية الدفاع الإيرانية الحديثة، وهو اليوم أكبر ترسانة صواريخ باليستية في الشرق الأوسط. لم يكن هذا البرنامج وليد الصدفة، بل نشأ من ضرورة حربية ملحة خلال الصراع العراقي-الإيراني (1980-1988)، ثم تطور إلى مشروع وطني طموح يعتمد على الاكتفاء الذاتي والابتكار المحلي. في هذا المقال المفصل (حوالي 1200 كلمة)، نستعرض بدايات البرنامج خطوة بخطوة، مع الاستناد إلى الوقائع التاريخية والتطورات التقنية حتى 2026.

الجذور قبل الثورة: طموحات الشاه المحدودة

قبل الثورة الإسلامية عام 1979، كان الجيش الإيراني تحت حكم الشاه محمد رضا بهلوي من أقوى الجيوش في المنطقة، مدعوماً بصفقات أسلحة أمريكية وغربية هائلة. حاولت إيران في السبعينيات الحصول على صواريخ أرض-أرض قصيرة المدى مثل Lance الأمريكية، لكن الرفض الأمريكي دفعها إلى تعاون سري مع إسرائيل في مشاريع صاروخية محدودة. كما حصلت على صواريخ دفاع جوي مثل Hawk وSea Cat.

ومع ذلك، لم يكن هناك برنامج باليستي متكامل. اعتمدت إيران بشكل أساسي على القوة الجوية المتفوقة (أكثر من 400 طائرة مقاتلة). بعد الثورة، انهار هذا الدعم الغربي بسبب العقوبات، وفقدت إيران الكثير من خبرائها العسكريين، مما خلق فجوة كبيرة في القدرات الدفاعية.

الحرب العراقية-الإيرانية: الشرارة الحقيقية (1980-1988)

اندلعت الحرب في سبتمبر 1980، وسرعان ما كشفت عن ضعف إيران في مواجهة الهجمات الصاروخية. بدأ العراق باستخدام صواريخ Scud-B السوفييتية (مدى 300 كم) ضد المدن الإيرانية منذ 1982، وتصاعدت "حرب المدن" عام 1988 بإطلاق مئات الصواريخ على طهران ومدن أخرى. أطلق العراق أكثر من 500 صاروخ، مما أسفر عن آلاف الضحايا ودمار واسع.

لم تمتلك إيران في البداية أي صواريخ باليستية. اعتمدت على مدافع المدفعية والصواريخ قصيرة المدى مثل Katyusha، لكنها كانت غير فعالة في الرد على الضربات البعيدة. هذا الواقع دفع القيادة الإيرانية، خاصة الحرس الثوري (IRGC)، إلى البحث السري عن حلول.

في أغسطس 1984، قاد وزير الحرس الثوري محسن رفيق دوست وفداً إلى سوريا وليبيا للحصول على صواريخ. رفضت سوريا بيع Scud بسبب الضغوط السوفييتية، لكنها قدمت تدريباً. أما ليبيا (تحت حكم القذافي) فقدمت الدعم الأول. في ديسمبر 1984، وصلت أول شحنة من 8 صواريخ Scud-B مع قاذفتين وفريق فني ليبي.

في أكتوبر 1984، شكل الحرس الثوري فريق صواريخ داخل وحدة المدفعية، وعُيّن حسن طهراني مقدم (الذي يُلقب بـ"أبو البرنامج الصاروخي الإيراني") قائداً، وأمير علي حاجي زاده نائباً. أقيم أول قاعدة صواريخ قرب كرمنشاه. بحلول 1985، حصلت إيران على دفعات إضافية من ليبيا وسوريا وكوريا الشمالية. أطلقت إيران أول صاروخ Scud-B ضد العراق في مارس 1985، واستمرت في إطلاق حوالي 100-121 صاروخاً خلال الحرب.

البدايات المحلية: الهندسة العكسية والإنتاج

لم تكتفِ إيران بالاستيراد. تحت قيادة طهراني مقدم، بدأت عمليات الهندسة العكسية (reverse engineering) في ظروف حربية قاسية. في 1988، أطلقت إيران أول صاروخ محلي "مشک" (إيران-130)، صاروخ أرض-أرض قصير المدى (130 كم) مستوحى من تقنيات صينية وكاتيوشا. أُنتجت نسخ أخرى مثل Mushak-160.

بعد انتهاء الحرب عام 1988، تحول التركيز إلى الاكتفاء الذاتي. تعاونت إيران مع كوريا الشمالية (التي زودتها بـ Scud-C الأطول مدى) والصين (التي قدمت معدات وخبرات). بحلول التسعينيات، أنتجت إيران Shahab-1 (نسخة من Scud-B، مدى 300-350 كم) وShahab-2 (مدى 500-750 كم). كانت هذه الصواريخ تعمل بالوقود السائل، وأصبحت أساس الترسانة.

التطور نحو المدى المتوسط: عصر الشهاب

في التسعينيات، دخل البرنامج مرحلة جديدة مع Shahab-3 (مدى 1300 كم تقريباً)، المستوحى من Nodong الكوري الشمالي. أُجريت اختباراته الأولى عام 1998، وأُعلن تشغيله عام 2003. مثل هذا الصاروخ نقلة نوعية، إذ يمكنه الوصول إلى إسرائيل وأهداف خليجية.

شمل التطور:

الانتقال إلى الوقود الصلب (مثل Fateh-110 عام 2002، ثم Sejjil-2 عام 2009). تحسين الدقة والقدرة على المناورة. تطوير صواريخ مضادة للسفن مثل Khalij Fars.

لعب حسن طهراني مقدم دوراً محورياً حتى استشهاده عام 2011. أشرف على بناء مصانع ومنشآت تحت الأرض، مما جعل البرنامج مقاوماً للضربات.

✍️
كاتب المقال
Arabs Learn
محلل متخصص في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية على المستوى العربي والدولي.